الغزالي

146

إحياء علوم الدين

كتاب كسر الشهوتين وهو الكتاب الثالث من ربع المهلكات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المنفرد بالجلال في كبريائه وتعاليه ، المستحق للتحميد والتقديس والتسبيح والتنزيل القائم بالعدل فيما يبرمه ويقضيه ، المتطول بالفضل فيما ينعم به ويسديه ، المتكفل بحفظ عبده في جميع موارده ومجاريه ، المنعم عليه بما يزيد على مهمات مقاصده بل بما يفي بأمانيه فهو الذي يرشده ويهديه ، وهو الذي يميته ويحييه ، وإذا مرض فهو يشفيه ، وإذا ضعف فهو يقويه ، وهو الذي يوفقه للطاعة ويرتضيه ، وهو الذي يطعمه ويسقيه ، ويحفظه من الهلاك ويحميه ، ويحرسه بالطعام والشراب عما يهلكه ويرديه ، ويمكنه من القناعة بقليل القوت ويقربه حتى تضيق به مجاري الشيطان الذي يناويه ، ويكسر به شهوة النفس التي تعاديه ، فيدفع شرها ثم يعبد ربه ويتقيه ، هذا بعد أن يوسع عليه ما يلتذ به ويشتهيه ، ويكثر عليه ما يهيج بواعثه ويؤكد دواعيه ، كل ذلك يمتحنه به ويبتليه ، فينظر كيف يؤثره على ما يهواه وينتحيه ، وكيف يحفظ أوامره وينتهى عن نواهيه ، ويواظب على طاعته وينزجر عن معاصيه . والصلاة على محمد عبده النبيه ، ورسوله الوجيه ، صلاة تزلفه وتحظيه وترفع منزلته وتعليه ، وعلى الأبرار من عترته وأقربيه ، والأخيار من صحابته وتابعيه أما بعد : فأعظم المهلكات لابن آدم شهوة البطن ، فبها أخرج آدم عليه السلام وحواء من دار القرار ، إلى دار الذل والافتقار إذ نهيا عن الشجرة ، فغلبتهما شهواتهما حتى أكلا منها فبدت لهما سوآتهما . والبطن على التحقيق ينبوع الشهوات ، ومنبت الأدواء والآفات إذ يتبعها شهوة الفرج ، وشدة الشبق إلى المنكوحات . ثم تتبع شهوة الطعام والنكاح شدة الرغبة في الجاه والمال ، اللذين هما وسيلة إلى التوسع في المنكوحات والمطعومات . ثم يتبع استكثار المال والجاه أنواع الرعونات ، وضروب المنافسات والمحاسدات . ثم يتولد بينهما